فصل: تفسير الآيات (1- 3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (120- 128):

{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}
لما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين وهو قدوة كثير من النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة فقال: {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً} قال ابن الأعرابيّ: يقال للرجل العالم: أمّة، والأمّة: الرجل الجامع للخير. قال الواحدي: قال أكثر أهل التفسير: أي معلماً للخير، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم كان أمّة أنه كان معلماً للخير أو جامعاً لخصال الخير أو عالماً بما علمه الله من الشرائع. وقيل: أمّة بمعنى مأموم أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال سبحانه: {إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] والقانت: المطيع.
وقد تقدّم بيان معاني القنوت في البقرة. والحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وقد تقدّم بيانه في الأنعام. {وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين} بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل.
{شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة كما يدلّ عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى {اجتباه} أي: اختاره للنبوّة واختصه بها {وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} وهو ملة الإسلام ودين الحق.
{وءاتيناه في الدنيا حَسَنَةً} أي: خصلة حسنة أو حالة حسنة. وقيل: هي الولد الصالح. وقيل: الثناء الحسن. وقيل: النبوّة. وقيل: الصلاة منا عليه في التشهد. وقيل: هي أنه يتولاه جميع أهل الأديان. ولا مانع أن يكون ما آتاه الله شاملاً لذلك كله ولما عداه من خصال الخير {وَإِنَّهُ في الآخرة لَمِنَ الصالحين} حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال: {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين * واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ في الآخرين * واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم} [الشعراء: 83- 85]. {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يا محمد مع علوّ درجتك وسموّ منزلتك، وكونك سيد ولد آدم {أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم} وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبيّ من أنبيائه. وقيل: والمراد هنا اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم لملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه.
وقال ابن جرير: في التبرّي من الأوثان، والتدّين بدين الإسلام. وقيل: في مناسك الحج. وقيل: في الأصول دون الفروع. وقيل: في جميع شريعته، إلاّ ما نسخ منها، وهذا هو الظاهر، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم، فقال تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [الأنعام: 90]. وانتصاب {حَنِيفاً} على الحال من إبراهيم، وجاز مجيء الحال منه؛ لأن الملة كالجزء منه.
وقد تقرّر في علم النحو أن الحال من المضاف إليه جائز إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه، أو كان جزءاً منه أو كالجزء {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} وهو تكرير لما سبق للنكتة التي ذكرناها.
{إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ} أي: إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، أو إنما جعل فرض تعظيم السبت وترك الصيد فيه على الذين اختلفوا فيه، لا على غيرهم من الأمم.
وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعيّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فخالفوه وقالوا: إن السبت أفضل، فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. وقيل: إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، فاختلف اجتهادهم فيه، فعينت اليهود السبت، لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق. فألزم الله كلا منهم ما أدّى إليه اجتهاده، وعيّن لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: بين المختلفين فيه {يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيجازي كلا فيه بما يستحقه ثواباً وعقاباً، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال: {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ} وحذف المفعول للتعميم، لكونه بعث إلى الناس كافة، وسبيل الله هو الإسلام {بالحكمة} أي: بالمقالة المحكمة الصحيحة. قيل: وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين {والموعظة الحسنة} وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدّمات مقبولة. قيل: وليس للدعوة إلاّ هاتان الطريقتان، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألدّ إلى استعمال المعارضة والمناقضة، ونحو ذلك من الجدل. ولهذا قال سبحانه: {وجادلهم بالتى هي أَحْسَنُ} أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة. وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً، وكان خصمه مبطلاً وغرضه فاسداً {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} لما حثّ سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة، بيّن أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك إليه تعالى فقال: {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ} أي: هو العالم بمن يضلّ ومن يهتدّي {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي: بمن يبصر الحقّ فيقصده غير متعنت، وإنما شرع لك الدعوة، وأمرك بها قطعاً للمعذرة، وتتميماً للحجة، وإزاحة للشبهة، وليس عليك غير ذلك.
ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع إلى الحق، فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أي: أردتم المعاقبة {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} أي: بمثل ما فعل بكم، لا تجاوزوا ذلك.
قال ابن جرير: أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلاّ مثل ظلامته، لا يتعدّاها إلى غيرها. وهذا صواب؛ لأن الآية وإن قيل: إن لها سبباً خاصاً كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدّي هذا المعنى الذي ذكره، وسمى سبحانه الفعل الأوّل الذي هو فعل البادئ بالشرّ عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلاّ فعل الثاني، وهو المجازي للمشاكلة، وهي باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز. ثم حثّ سبحانه على العفو فقال: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين} أي: لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل، فالصبر خير لكم من الانتصاف، ووضع {الصابرين} موضع الضمير، ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد.
وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم. وقيل: هي منسوخة بآيات القتال، ولا وجه لذلك.
ثم أمر الله سبحانه رسوله بالصبر فقال: {واصبر} على ما أصابك من صنوف الأذى {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} أي: بتوفيقه وتثبيته. والاستثناء مفرغ من أعمّ الأشياء، أي: وما صبرك مصحوباً بشيء من الأشياء إلاّ بتوفيقه لك. وفيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم نهاه عن الحزن فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على الكافرين في إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله. {وَلاَ تَكُ في ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ} قرأ الجمهور بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها. قال ابن السكيت: هما سواء، يعني: المفتوح والمكسور.
وقال الفراء: الضيق بالفتح: ما ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر: ما يكون في الذي يتسع، مثل الدار والثوب. وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب؛ لأن الضيق. وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه، ومعنى {مما يمكرون}: من مكرهم لك فيما يستقبل من الزمان.
ثم ختم هذه السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا} أي: اتقوا المعاصي على اختلاف أنواعها {والذين هُم مُّحْسِنُونَ} بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها. وقيل: المعنى {إن الله مع الذين اتقوا} الزيادة في العقوبة، {والذين هم محسنون} في أصل الانتقام، فيكون الأوّل إشارة إلى قوله: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} والثاني إشارة إلى قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين} وقيل {الذين اتقوا} إشارة إلى التعظيم لأمر الله {والذين هُم مُّحْسِنُونَ} إشارة إلى الشفقة على عباد الله تعالى.
وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد، بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود: أنه سئل عن الأمة ما هي؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير، قالوا: فما القانت؟ قال: الذي يطيع الله ورسوله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ} قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله: {كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ}.
وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {كَانَ أُمَّةً} قال: إماماً في الخير {قانتا} قال: مطيعاً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد تشهد له أمة، إلاّ قبل الله شهادتهم» والأمة: الرجل فما فوقه، إن الله يقول: {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً} والأمة الرجل فما فوقه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمرو وقال: صلى جبريل بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات، ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به، ثم صلى المغرب والعشاء، بجمع ثم صلى الفجر به كأسرع ما يصلي أحدكم من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع، به، ثم رمى الجمرة، ثم ذبح، ثم حلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به، فقال الله لنبيه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا}.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ} قال: أراد الجمعة، فأخذوا السبت مكانها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق السدّي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قال: باستحلالهم إياه. رأى موسى رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، فضرب عنقه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس فيه لنا تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد».
وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وجادلهم بالتى هي أَحْسَنُ} قال: أعرض عن أذاهم إياك.
وأخرج الترمذي وحسنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة في الفوائد، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة».
وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به، فقال: «رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم، فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك»، فنزل جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآية، فكفّر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر.
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعاً نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآية، قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم فهذا منسوخ.
وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ} قال: اتقوا فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم.

.سورة الإسراء:

آياتها مائة وإحدى عشرة آية.
وهي مكية إلا ثلاث آيات، قوله عز وجل: {وإن كادوا ليستفزونك} نزلت حين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق}، وقوله: {إن ربك أحاط بالناس} وزاد مقاتل قوله: {إن الذين أوتوا العلم من قبله}.
وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة بني إسرائيل بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه عن ابن مسعود قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عمرو الشيباني قال: صلى بنا عبد الله الفجر فقرأ السورتين الآخرة منهما بنو إسرائيل.

.تفسير الآيات (1- 3):

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)}
قوله: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} هو مصدر سبح، يقال: سبح يسبح تسبيحاً وسبحاناً، مثل كفر اليمين تكفيراً وكفراناً، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص.
وقال سيبويه: العامل فيه فعل لا من لفظه، والتقدير: أنزه الله تنزيهاً، فوقع سبحان مكان تنزيهاً، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء؛ وقيل: هو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل منزلة الفعل وسدّ مسدّه، وقد قدّمنا في قوله: {سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]. طرفاً من الكلام المتعلق بسبحان. والإسراء قيل: هو سير الليل، يقال: سرى وأسرى، كسقى وأسقى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
حي النضير ربة الخدر ** أسرت إليّ ولم تكن تسري

وقيل هو سير أوّل الليل خاصة، وإذا كان الإسراء لا يكون إلاّ في الليل فلابد للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة، فقيل: أراد بقوله: {ليلاً} تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة. ووجه دلالة {ليلاً} على تقليل المدّة ما فيه من التنكير الدالّ على البعضية، بخلاف ما إذا قلت: سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعاً.
وقد استدلّ صاحب الكشاف على إفادة ليلاً للبعضية بقراءة عبد الله وحذيفة: {من الليل}.
وقال الزجاج: معنى {أسرى بعبده ليلاً} سير عبده، يعني: محمداً ليلاً، وعلى هذا فيكون معنى أسرى: معنى سير، فيكون للتقيد بالليل فائدة، وقال: {بعبده} ولم يقل: بنبيه أو رسوله، أو بمحمد تشريفاً له صلى الله عليه وسلم. قال أهل العلم: لو كان غير هذا الاسم أشرف منه، لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم، والحالة العلية:
لا تدعني إلا بياعبدها ** فإنه أشرف أسمائي

ادعاء بأسماء نبزا في قبائلها ** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي

{مّنَ المسجد الحرام} قال الحسن وقتادة: يعني المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن.
وقال عامة المفسرين: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من دار أم هانئ، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرام، لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كله مسجد. ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسوله إليها فقال: {إلى المسجد الاقصى} وهو بيت المقدس. وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله: {الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة. وفي {باركنا} بعد قوله: {أسرى} التفات من الغيبة إلى التكلم. ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا} أي: ما أراه الله سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل {إنَّهُ} سبحانه: {هُوَ السميع} بكل مسموع، ومن جملة ذلك قول رسوله صلى الله عليه وسلم {البصير} بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله.
وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه، أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأوّل، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة، ومعاوية، والحسن، وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله: {إلى المسجد الاقصى} فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وسلم. فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء، وقع بذاته لذكره، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلاّ مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتدّ من ارتدّ ممن لم يشرح بالإيمان صدراً، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد؛ وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} [الإسراء: 60] فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء فالتصريح الواقع هنا بقوله: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب البراق؟ وكيف يصح وصف الروح بالركوب؟ وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان؟
وقد اختلف أيضاً في تاريخ الإسراء، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة.
وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بثلاث؛ وقيل: بأربع، ولم تفرض الصلاة إلاّ ليلة الإسراء.
وقد استدل بهذا ابن عبد البرّ على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة.
وقال ابن القاسم في تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً من أهل السير قال بمثل هذا.
وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي عنه أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس سنين.
وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة.
{وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب} أي: التوراة، قيل: والمعنى كرّمنا محمداً بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب {وجعلناه} أي: ذلك الكتاب؛ وقيل: موسى {هُدًى لّبَنِى إسراءيل} يهتدون به {أَن لا تَتَّخِذُواْ}. قرأ أبو عمر بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية أي: لئلا يتخذوا. والمعنى: آتيناه الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا {مِن دُونِى وَكِيلاً} قال الفراء: أي كفيلاً بأمورهم، وروي عنه أنه قال: كافياً؛ وقيل: أي متوكلون عليه في أمورهم، وقيل: شريكاً، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور. {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} نصب على الاختصاص أو النداء، ذكرهم سبحانه إنعامه عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق، ويجوز أن يكون المفعول الأوّل لقوله: {أن لا تتخذوا} أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، كقوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا} [آل عمران: 80]. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من فاعل {تتخذوا} وقرأ مجاهد بفتح الذال، وقرأ زيد بن ثابت بكسرها، والمراد بالذرية هنا: جميع من في الأرض، لأنهم من ذرية من كان في السفينة؛ وقيل: موسى وقومه من بني إسرائيل. وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء والنصب على الاختصاص، والرفع على البدل وعلى الخبر، فإنها كلها راجعة إلى بني إسرائيل المذكورين، وأما على جعل النصب على أن {ذرية} هي المفعول الأوّل لقوله: {لا تتخذوا} فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم. {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} أي: نوحاً، وصفه الله بكثرة الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذاناً بكون الشكر من أعظم أسباب الخير، ومن أفضل الطاعات حثاً لذريته على شكر الله سبحانه.
وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: أسري برسول الله إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة.
وأخرج البيهقي عن عروة مثله.
وأخرج البيهقي أيضاً عن السدّي قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مهاجره بستة عشر شهراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قال: أنبتنا حوله الشجر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل} قال: جعله الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً} قال: شريكاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} قال: هو على النداء. يا ذرية من حملنا مع نوح.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{ذرية من حملنا مع نوح} ما كان مع نوح إلاّ أربعة أولاد: حام، وسام، ويافث، وكوش، فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق» واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة.